محمد بن علي الشوكاني

263

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ويرد ما خالفه . فيا لله ، ويا للمسلمين ، ويا لعلماء الدين من هذه الفواقر [ 3 ب ] الموحشة التي لم يصب الإسلام وأهله بمثلها . وأعزب من هذا وأعجب ، وأشنع وأفظع أنهم بعد أن جعلوا هذه التعقلات التي تعقلوها ، على اختلافهم فيها وتناقضهم في معقولاتها ، أصولا ترد إليها أدلة الكتاب والسنة ، جعلوها أيضًا معيارا لصفات الرب تعالى ، فما تعقله هذا من صفات الله قال به جزما ، وما تعقله خصمه منها قطع به ، فأثبتوا لله - عز وجل - الشيء ونقيضه ، استدلالا بما حكمت به في صفات الله عقولهم الفاسدة ، وتناقضت في شأنه ، ولم يلتفتوا إلى ما وصف الله به نفسه ، أو وصفه به رسوله [ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ، بل إن وجدوا ذلك موافقا لما تعقلوه جعلوه مؤيدا له ومقويا ، وقالوا : قد ورد دليل السمع مطابقا لدليل العقل . وإن وجدوه مخالفا لما تعقلوه جعلوه واردا على خلاف الأصل ، ومتشابها وغير معقول المعنى ، ولا ظاهر الدلالة . ثم قابلهم المخالف لهم بنقيض قولهم ، فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه ، وجعل ذلك أصلا يرد إليه أدلة الكتاب والسنة ، وجعل المتشابه عند أولئك محكما عنده ، والمخالف لدليل العقل عندهم موافقا له عنده ، فكان حاصل كلام هؤلاء أنهم يعلمون من صفات الله ما لا يعلمه ، وكفاك بهذا ، وليس بعده شيء ، وعنده يتعثر القلم حياء من الله - عز وجل - . وربما استبعد هذا مستبعد ، واستكثره مستكثر ، وقال : إن في كلامي هذا مبالغة وتهويلا وتشنيعا وتطويلا ، وإن الأمر أيسر من أن يكون حاصله هذا الحاصل ، وثمرته مثل هذه الثمرة التي أشرت إليها . فأقول : خذ جملة البلوى ، ودع تفصيلها ، واسمع ما يصك سمعك ، ولولا هذا الإلحاح منك ما سمعته ، ولا جرى القلم بمثله .